ابن ميثم البحراني
403
شرح نهج البلاغة
بها وتردّدونها رجع القول المردّد منهم . وقوله : قد كفاكم مئونة دنياكم . كقوله تعالى « وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ » ( 1 ) وتلك الكفاية إمّا بخلقها وإيجادها ، وإمّا برزقه بكلّ ما كتب له في اللوح المحفوظ . وحثّه على الشكر في تكرار أوامره به . ونقل عن الحسن البصريّ أنّه قال : إنّ اللَّه كفانا مئونة دنيانا وحثّنا على القيام بوظائف ديننا فليته كفانا مئونة ديننا وحثّنا على القيام بوظائف دنيانا ، وهو إشارة منه إلى شدّة التحفّظ في الدين والاحتراز عليه . وقوله : وافترض من ألسنتكم الذكر . لمّا كان لكلّ من الجوارح عبادة كانت العبادة المفروضة باعتبار اللسان الذكر ، وقد علمت أنّه باب عظيم من أبواب السلوك إلى اللَّه بل هو روح العبادات كلَّها . إذ كلّ عبادة لم يشفع بالذكر فهي خداج . ثمّ نبّه على التقوى بوصيّة اللَّه تعالى فيها ، ثمّ بكونها منتهى رضاه وحاجته من خلقه ، ولفظ الحاجة مستعار . إذ تنزّه قدسه تعالى عنها ، ووجه مشابهته للمحتاج هو الحثّ والطلب المتكرّر منه حتّى كأنّه محتاج إلى عبادة العباد وتقويهم ، ولمّا استلزمت التقوى الحقيقيّة الوصول إلى اللَّه لا جرم كانت منتهى رضاه من خلقه . ثمّ أمرهم بها بعد التنبيه عليها . ونبّه على الوجوه الَّتي لأجلها تحصل تقوى اللَّه وخشيته وهي كونهم بعينه : أي بحيث يعلم ما يعملون ، ولفظ العين مجاز في العلم إطلاقا لاسم السبب على المسبّب لاستلزامها إيّاه ، وكون نواصيهم بيده : أي في قدرته . وإنّما خصّ الناصية إشارة إلى أنّ أعظم جوارح الإنسان وأشرف ما فيه مملوك . واليد مجاز في القدرة إطلاقا لاسم السبب القابليّ على المسبّب ، وكذلك كون تقلَّبهم في قبضته : أي تصرّفهم في حركاتهم وسكناتهم بحسب تصريف قدرته وحكمه لا خروج عنه في شيء . وقوله : إن أسررتم . كقوله تعالى « يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ » .
--> ( 1 ) 14 - 37 .